إخوان الصفاء

35

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

الأشياء وحقائقها ومعانيها . وانما يتعاطون ذلك على حسب مناسبات من الطباع واتفاقات تقع في الأوقات والبقاع والمنشإ والمولد والمخالطات بأقوام أصدقاء وأقارب ومعارف ؛ والإصغاء إليهم والاخذ عنهم والتخلّق بأخلاقهم ، فبحسب هذه الاتفاقات يقع إيثار الانسان الشيء على غيره من الآراء والمذاهب ، والمطالب والاعتقادات والنّحل والصناعات والمكاسب ، لأن كل انسان وان كان في ظاهر أمره متمكنا من اختيار ما يقتنيه من المذاهب والآراء ، فبينه وبين كل واحد منها مناسبات جبلّيّة « 1 » باطنة ، وعادات ألفيّة ظاهرة ، تجذبها اليه وتحبّبها عنده وتحرضه عليها وتدعوه إليها ، وبحسب انجذابه في طبعه وميله وألفه ، يكون تبرّزه فيها ومهارته بها ، ولذلك برّز أحدهم في شيء وتخلّف آخر ، واجتهادهما واحد . وربما اتفق واحد منهم أن يسمع كلاما أو يرى أمرا فيرضاه لنفسه ، ويميل اليه بطبعه ، ويقتنيه ، ويدخل في جملة أهله ، فيتأكد ألفته وأنسه به على مرور الزمان ، فإذا قوي الألف واستمرت العادة ، وسكنت نفسه اليه ، وتمكن من قلبه ، لشدّة صحبته له ومعرفته به ، وفرط ميله اليه ، آثره على غيره حتى يصير في آخر الامر إلفا لما يختاره منه ، ومعاندا لما سواه ، ويرى له الفضل على غيره من المذاهب الحقيقية ، والآراء العقلية ، وان كان مفضولا ؛ ويحكم له بالشرف والعلوّ ، وان كان مشروفا . فبحسب ذلك تكثر الاختلافات وتتباين المذاهب والديانات ، والحق فيهم مع الأنزر الأقلّ ، والآخر لا حق بالأول . ومنها الرسائل النفسانية العقلية ، تشتمل على عشر رسائل : الرسالة الأولى منها في « المبادي العقلية » على رأي الفيثاغوريين ، والغرض منها أن الباري جل جلاله لما أبدع الموجودات في المبدع الأول وهو العقل ، واخترع المخترعات بوساطته في النفس ، وخلقها مقدّرة في الطباع ، وكوّنها

--> ( 1 ) جبلية : طبيعية .